أعطوه ما له ، فأعطاهم ما عليه

ضيفي الكريم يمكنك بدء القراءة من هنا * اتخذَ مكاناً خاصاً لَه في نِهايةِ المختبر، في كل مرة كان يرتدي تلك السماعات المثيرة للجدل كنتُ أتساءلُ كيف لذلك البعيد أن يسمعني وهو يستمع لشيئ ما بعيدا عن الدرس ، غريب هو أمُره. أذكرُ في أول يوم عمل لي كنت قد أطلتُ النظر اليه عسى أن تلتقي عينايَ بعينيه فَتُخَاطِبَاه أن اترك تلك السماعات وانتبه، لم تكن مُحاولاتي ذات جدوى فعيناه ثابتتان متمترستان في احداثيات ثانبة قد أختارها بدقة وصرامة لم أشاهدهما من قبل. انتهى الدكتور اليوم من تقديم المحاضرة وقَدمَني لشرح التمرين وكالعادة كلما نظرت الى نهاية القاعة رأيتُ ذات الشخص بذات السماعات والأحداثيات إيِّاها. تتبادر الي ذِهنِي نفس التساؤلات التي تروادني عن نفسها في كل مرة أنظر فيها اليه لذات السبب الذي أسعى اليه في كل مرة أن “شيل هالسماعات وإنْتْبِه” ولات حين جدوى. انتهيت أنا وبدأ الطلاب بتطبيق الكود البرمجي وكالعادة أيضا أنتظرُ حتى يرفع أحدهم يده لطلب المساعدة. أنتظرتُ فترة قصيرة من الوقت وفجأة ارتفعت يدٌ من بعيد، أخيراً تحرك ذلك الصنم ،أخيرا تغيرت احداثيات الزمكان التي كانت تغلفه شريحة طويلة من الأسئلة الفضولية بجدارة. أخيرا رفع يده ليطلب المساعدة ، يا إلاهي كم كنت أنتظر تلك اللحظة ، وابل من الأسئلة كان يتبادر الي ذهني وأنا ابتسم من بعيد وأومئ برأسي (I am coming ) هل فعلا يحتاج مساعدة ؟ وهل يعرف ما هو المطلوب من التمرين أصلا ؟ ترى أي مساعدة تلك التي يحتاجها غريب الأطوار هذا وهو الذي لا يلقِ للمحاضرات أي انتباه ، خطوات معدودة كان تفصل بيني وبين صاحب السماعات. اقتربت منه وابتسمت، انتظرتُ أن يكسر حاجز الصوت بطرح سؤاله ، لاكن الغريب والمدهش ان ذلك الشخص لم يلقِ لي باللا واستمر برفع يده. للوهلة الأولى -بحسن نية- قلت لعله لم يرني فعيناه لم تتزحزحا عن تلك الشاشة التي كان يحدق بها حد الألتهام. قلتُ (Hi, do you need any help? ) . على الفور أنزل يده برفق وبصوت خافت قال “ نعم سيدي ، عذرا الجهاز الذي أحمله لا يعمل ، من فضلك صف لي الصورة التي أشاهدها أمامي على الشاشة ” . تحرك شريط الزمن الى الامام قليلا و بسرعة كبيرة الى الخلف ، ارتبك المكان بأركانه الغير معدودة ، نظرت الى السماعات في أقل من فيمتو ثانية، أيقنت أنها جهاز ما وليست كما اعتقدتُ ، يا الاهي ما هذا الجهاز الغريب ولما كل تلك الأزرار، وما علاقة ذلك بالصورة التي تظهر على الشاشة .. لا أدري كيف اتسع النصف الاول لكل هذه الاسئلة، في النصف الاخر من الفيمتو ثانية ذاتها أيقنت أن هناك شخص كفيف في مختبر البرمجة يجلس على جهاز حاسوب ويمارس كتابة الكود البرمجي ……. هذا الطالب الأعمى يرتدي جهاز خاص يقوم بوصف ما تعرضه شاشة الكمبيوتر أمامه. يملي عليه الجهاز ما يُعرض امامه على الشاشة وهوبعد ذلك يقوم بتطبيق التمرين وكتابة الكود البرمجي. أستوقفتني وأثارت جنوني نقاط كثيرة من هذا الموقف ، لا أريد أن اتحدث عن ارادة هذا النوع الفريد من البشر التي جعلت من انسان لا يرى النور أن يتحدى الإعاقة ويلتحق بكلية “هندسة البرمجيات ” ليبدأ مشواره مع ( بلاوي زرقة ) من الرموز والاكواد البرمجية ، على الرغم من أن دولة كبريطانيا تعطي له ضمانا اجتماعيا كاملا وتوفر له جميع الاحتاياجات والرعاية الازمة له لتضمن له حياة كريمة قيمة دون الحاجة لكل هذه (المرمطة ). فلو عَصرتُ قلمي بعدد نجوم الدهشة التي كانت تلتف حلول رأسي حينها ما أفلحت في الحديث عن أرادة وعزيمة أؤلئك القوم. هنا أود أن أبث رسالة تذكير لِحَضْرَتِنَا بِحَضَارَتِنَا هي رسالة تذكير لواقعنا بتراث أصيل بناه اسلافنا ذات مجد ، وواجب علينا نحن لا أقول أعادته بحذافيره لكن على الاقل علينا أن نهيء ونمهد ونسعى لبداية قوية سليمة. هنا أتوق من خلال رسالتي الأولى أن اسلط الضوء على حياة ذوي الا حتياجات الخاصة في مجتمعات حَضْرَتِنَا مقارنة بمجتماعات حَضَارَتِنَا. أذكر قبل أربعة أعوام قمتُ باعطاء دورة تدريبية في صيانة الحاسوب لمجموعة من طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في كلية المجتمع والعلوم التطبيقية في غزة. كنت قد تمنيت وقتها لو أني صاحب سلطة لأقلب موازين ومقاييس المجتمع ال ( عاجزة ) وأعيد لؤلئك الطلاب حقوقا لطالما سلبها جهلُنا بِهم. هم ليسوا معاقين هم ليسو عاجزين. إن كان هناك عاجزٌ فهو مجتمع حَضْرَتِنَا الذي عجزعن تقبلهم وعجز عن استيعابهم وعجز عن الاستفادة منهم الأمر الذي يزيد من هوة عدم التعرف على مميزات أو مواهب أوطاقات أو صفات أو قدرات أو أفكار لديهم يمكن تنميتها وتدريبها بحيث يتكيفون مع بيئة المجتمع رغم الاعاقة ، بل ربما يتميزون ويتفوقون على غيرهم ممن نطلق عليهم تجاوزاً الأسوياء. لا بد أن يدرك المجتمع أنه هو الذي يلملم تلك العوائق ويضعها في طريق المعاقين الامر الذي يجعل من الصعب جدا على المعاق أن يتكيف مع المنظومة التكاملية للمجتمع ويبادله علاقة الأخذ والعاطاء. شيئ جميل في هذه البلد (بريطانيا ) أن ترى التكاتف والتعاون ما بين الدولة والمجتمع لمساعدة المعاق على التكيف والاندماج الكامل في المجتمع ، فطبيعي أن ترى طالب كفيف في كلية هندسة البرمجيات ، وطبيعي أن ترى امرأة قصيرة القامة ( قزمة ) تقف على كرسي وتحاسب الزبائن في سوق ( سانز بيري ) ومن الطبيعي جدا أن ترى رجل كفيف يقوده كلب مدرب الى العمل في الصباح الباكر!. فالمعاق عندهم ليس معال على الرغم من ضمانه الاجتماعي ، بل هو بكل بساطة انسان منتج له احتياجات خاصة . إن للتسميات الايجابية التي حثتنا عليها حَضَارَتُنَا الاسلامية كمناداة الناس بأحب الأسماء اليهم أثر طيب وانطاباع قيم على نفس المعاق. فحري بمجتمعات حَضْرَتِنَا أن تنتقي الكلمات المناسبة مثل ذوو الاحتياجات الخاصة أو ذو الصعوبات، لما لها من صدا نافع وتفاعلاً جيداً لمثل هؤلاء مع المجتمع. والبعد التام عن كل ما يسئ لهم من ألفاظ وامثال شعبية قد ارتبطت بهم وبتنوع اعاقاتهم. فلا شك أن التسميات السلبية مثل العمي ، الصم ، المشلولون ، المتلفون في أدمغتهم ، والمتخلفون عقلياً وغيرها من الاسماء ، تترك أثراً سلبياً يلصق بالطفل حتى يكبر وتبقى وصمة تؤثر على علاقته الاجتماعية تأثيراً بالغاً. إن من من أكثر ما يدهش المرء هنا هو تطبيقهم لروح حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ( لا فرق بين عربي ولا أعجمي الا بالتقوة ) والتطبيق لروح الحديث بمعايريهم هم طبعا ، فبالفعل لا فرق بين معاق وسليم الا بالانتاجية والجد والعمل . . إن كانت مجتمعات حَضْرَتِنَا تظهر كأنها طفل رضيع أمام حضارة بريطانيا التي على صغر حجمها الجغرافي إلا أنها كادت أن تستعمر الكرة الأرضية بأكملها فهنا أقول عفوا بريطانيا .. إن المتأمل في مجتمعات حَضَارَتِنَا يجد أمامه أمثلة إيجابية لا تعد ولا تُحصى من أمثلة الاهتمام والرعاية والعطاء للمعاقين ، وان لم يكن فيها الا عتاب لله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن أم مكتوم لكفى مثالا يخلد بخلود القران الكريم. ذلك الأعمى الذي حضر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجلس معه ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لانشغاله بدعوة كفار مكة وسادتها ومحاولة ترغيبهم وجذبهم وتبليغهم الرسالة وأدار وجهه عنه والتفت إليهم . بالتأكيد، الاعاقة لم تمكن ابن مكتوم من ملاحظة انشغال الرسول بالدعوة والتفاته عنه الا ان العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم تزل (عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى ….) ، وبهذه الآيات البينات أوضح الله تعالى لنبيه ولأمته أن المؤمن الضرير الكفيف هو أطيب عند الله من كفار وسادة قريش ، فكان صلى الله عليه وسلم كلما رأى ابن مكتوب ابتسم له ورحب وقال ( أهلاً بمن عاتبني فيه ربي… ). وان من الأمثلة التي تشهد على تقدير واهتمام ورعاية مجتماعات حَضَارَتِنَا للمعاقين أنها كانت تنضح بالعلماء المعاقين الذين ابدعوا في شتى أصناف العلوم والمعرفة ،فعطاء ابن رباح كان أشل وابن سيرين كان يعاني من صعوبة شديدة في السمع والترميذي كان أعمى وغيرهم الكثير من الذي جادوا وقدموا الكثير. أعلم جيدا أن الحضارات تبنى على مراحل نتيجة لتفاعل منظومة متكاملة من المعاير المختلفة. فلا أتوقع من مجتمعات حَضْرَتِنَا ان تحاكي مجتمعات حَضَارَتِنَا بين ليلة وضحاها ، فأنا لا أتوقع- البتة- أن أرى كلب مدرب يقود رجل كفيف الى عمله في مجتمعاتنا في القريب العاجل ، لكن كل ما أرمي اليه هو البداية وإن كانت بسيطة مقارنة بما وصل اليه الغير. فاننا لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نتقدم مرحلة واحدة دون أن نلقي على البداية السلام . والسلام ---

بداية اشكؤك على هذا العرض وهذا الفكر وثانيا ان ما استفدته من القصة هو ان هؤلاء بقولنا ذوو احتياجات خاصة هم فعلا طبيعيين لاننا جميعا لنا احتياجات خاصة ولكن الرائع في هؤلاء انهم اثبتوا اعاقتنا نحن دون ان نشعر لاننا باحتياجاتنا الخاصة والتي ربما تكون تافهة قد ندمر حياتنا بايدينا فاذا نظرت الى المدمنيين هم في الاساس ذوو احتياجات خاصة ولكن لم يعملوا ليتغلبوا على احتياجاتهم بل هربوا منها الى ما هو امر وادهى واذا نظرت الى الزناة هم اساسا ذوو احتياجات خاصة لم يتغلبوا عليها بالعقل فرموا انفسهم الى ما هم فيه بينما اذا نظرنا الى هؤلاء الذين هم ذوي احتياجات خاصة وواضحة للجميع نراهم يتغلبوا على ماهم فيه ولم تقف حياتهم عند هذه الصعوبة بل تغلبوا عليها لينبهونا ويقولوا اين انتم ؟ ولا يسعني هنا الاان ادعوا الله انلا اكونذات حاجة الا اعانني عليها وجعلني مثل هؤلاء الذين استخدموا نعمة العقل ولم يوقفوها
ما شاء الله عليك . مقال كتير مفيد وراقي الله يوفقك يا محمد
اسمحلي بنشر المقال على صفحتي الفسبك
@ أمل .. أحسنتِ يا أمل بارك الله فيكِ. لا شك أننا نتعلم منهم القوة والارادة والحكمة في التعامل مع احتياجاتهم . ما اسعى اليه هو أن يتم التعامل على قاعدة الا فرق بين عربي ولا أعجمي الا بالتقوى.وايجاد الحلول البسيطة لتعديل نظرة المجتمع العاجزة عن تفهم واستيعاب هذه الفئة من المجتمع لاسباب كثيرة. أنا اعتقد أن اجود انواع الحلول هي ابسطها. رسالة توعية من بين جدران البيت خير من أطنان معدات واجهزة ومختبرات ومعامل. ع الهامش/ لما شفت الاخطاء الاملائية في ردك تخيلت (مريم واحمد ومحمد و عبود ) بكتبوا معك ;) @ بلال .. حياك الله يا أصيل ، شكرا على النشر سرب تحايا
جميلُ ما طرحت , أعتقد أن طرحك للموضوع أو ربما الأسلوب الذي استخدمه , كان جذاباً جداً , وهذا ما يميّز الكتاب عن بعضهم ,, دعني أنتقل للحديث عن كلامك , بالنسبة لهذا الشخص , لو كنت مكانك .. كنت سأتطفل بعد مرور يومين فقط على هذه الحالة ههه , حتى أعلم ما هي قصته , ولِمَ هو غريب الأطوار هكذا .. لأنني وبصراحة , أحب الأشخاص غريبي الأطوار , لا سيما إن كنت أراهم للوهلة الأولى .. شكراً لك على طرحك “المميز” ,, وأنصحك بالاستمرار على هذا النهج الـ “غير تقليدي” ,, ومن تقدم إلى تقدم يتلوه بإذنه تعالى ..
السلام عليكم، ما شاء الله، تدوينة في غاية الروعة، شكراً محمد :) فعلاً إرادة الإنسان لا تعترف بأي حدود، أتمنى أن تكون كل أيامك مليئة بالمفاجآت الجميلة، فقصة كهذه تذكرنا بأننا قادرين على تحقيق أهدافنا إن حقاً أردنا ذلك. بالنسبة لمجتمعاتنا ونظرتها للأقليات مهما كانت، أعتقد أن ذلك سببه الجهل وعدم قدرتنا على تقبل الآخرين، نحن لا نستطيع تقبل فكر مختلف فكيف لنا أن نتقبل بشر لهم احتياجات مختلفة عنا مهما كانت، والله وحده أعلم أي مخلوق أفضل من آخر، وأذكر بعالم الفيزياء الدكتور ستيفن هوكينج ودوره العظيم في مجال الفيزياء، ودور الشيخ أحمد ياسين في القضية الفلسطينية والكفاح الفلسطيني ضد الصهيونية، فكلاهما مقعدان لم يستسلما لإعاقتهما، فوالله ما الإعاقة إلا في الفكر والنفس. أتمنى أن نصل في يوم من الأيام لدرجة من الرقي والتفاهم نستطيع بها أن نتعايش بشكل أفضل سوياً، بغض النظر عن اختلافاتنا الفكرية والجسدية أو المعنوية والمادية. مرة أخرى شكراً محمد لهذه التدوينة الرائعة، أتمنى لك التوفيق في كل أيامك، ودير بالك ع هالزلمة الطيب :)
@ مريخية .. شكرا لهطولك الميمون هنا ، تشرفني زيارتك ويسعدني تشجيعك واعجابك. لم يكن ذلك الشخص غريب الأطوار ، بل الغريب هو أنا فقد عجزتُ عن تفهم الموقف من البداية. ظلِّ بالقرب ، شكرا يليق بهطولك المريخي. @على .. أحسنت على. للأسف سياسة الاقصاء والتلقين أو التلقين فالأقصاء ان صح الترتيب أثرت على معظمنا بحيث أصبحنا لا نطرب إلا لأصداء أصواتنا فقط. ليس على مستوى احزاب وفصائل وتيارات ومذاهب ومدارس واتجاهات بل أيضا على مستوى أفراد البيت في أبسط الأمور. كلما رأيتُ الجانب الحسن من هذا المجتمع يتبادر الى ذهني موقف كريم الأخلاق من علم الدنيا الأدب صلى الله عليه وسلم عندما مرت جنازة فقام لها فقالوا انها جنازة يهودي يا رسول الله فقال بأبي هو وأمي أوليست نفس؟! (انت متخيل كيف كنا ؟ أشد شعري؟ ههه). هي منظومة متكاملة كما ذكرتُ ولن تفلح الا بتفاعل جميع عناصرها. ولن تنضج تلك العناصر وتصبح دنية قطوفها الا بالبدايات السليمة البعيدة عن التكلف. ع الهامش/ الشباب كلهم بسلموا عليك ، وانت سلم على أبو العبد قله محمد زعلان منك عشان زرت ايران
أصبت محمد، البداية أهم خطوة، مهما كانت بسيطة أو متواضعة، المهم أن نبدأ في الاتجاه السليم. …سلامي لكل الشباب، وصدقني لو أبو العبد بهمه عتابك ما كان راح أساساً :)
@ على .. أسأل الله الهداية للجميع ،