هذا ما حدث يا إمي ..

صورة من التدوينة: mother_and_daughter.jpg
🎵 AtharQalb.mp3

تسير لقطات من الذاكرة برائحتها النفاثة بالأصوات التي لا زالت تحتفظ بتردداتها باللمسات التى تقشعر لها أطراف الخلايا .. بكل ما تحتفظ به من قرب وبعد من لقاء وفراق من حب وبغض من أمن وخوف من حكمة وجنون من ابتسامة أمل وشهقة يأس .. مذكراتي اللندنية .. لقطات عشتها لا أقول مغتربا بل غريبا .. أطنان من اللقطات التي أعرفها جيدا عشتها بتفاصيلها الدقيقة جدا .. بخيرها وشرها.. ببساطتها وتكلفها.. بمللها وتشويقها .. بسلاستها وبولوسيتها.. بطيبها وقبحها .. بعدلها وظلمها .. هنا أنتقي المناسب للنشر منها .. أعيد صياغتها وأتثرها بأدب لتناسب مقام مدينتي  .. هذا ما حدث يا إمي .. كنت كالذي يمسك بنفسه ويدفع بها للفراق الأزلي.. كالذي يمشي ولا يدري من الذي يتحكم في حركة قدميه .. كالذي يغرق في تلابيب منام مزعج ويدعو الله ان يوقظه من ذلك الكابوس. هل كنت بذلك الوعي وتلك القوة وأنا ألملم أشيائي وأضع بها في حقائب السفر ؟ هل كنت أشعر حقا بما يدور من حولي .. هل قمت فعلا بنبش حقائب سفري ليلة السفر  لأجد محلا لمزيدا من الكتب .. بقيى كتابي صديقي العزيز الذي أوصاني بهما .. هل كانت ترتعش يداي وأنا أقرأ وصيته لي في مقدمة الكتاب ؟ أذكر أني توقفت عند نهاية كلامه وهو يقول “كان الله معك أينما كنت” هل أنا الذي كنت أتمتم بعدها بكلمة ” يارب” ؟هل تذكرت بريق عينيه وهو يودعني ويقول “الى طلب واحد بس، أن تبقى كما أنت”  ثم خرجت من الغرفة بحجة أني اريد  قليلا من الماء ورحت أسقي الكون بكثيرا من الدموع ؟ ما زلت أذكر غلاف كتاب<<لاتحزن>> أذكر لون الغلاف جيدا وأذكر درجة الظل الذي غطاه به كتاب<< الدليل الفقهي للمبتعث>>.. هل تذكرين كم كان ثقيلا كتاب <<تاريخ فلسطين المصور>>؟ يالله ما أثقله وما أثقل أمانته يا إمي .. هل كان الكل يشارك في تجهيز الحقائب؟ ..  هل فعلا أنا الذي قبلتُ الأطفال عندما حان الوقت ؟ ترى ما الذي دفع طقلة أخي الصغيرة أن تقدم لي صورتها لأحتفظ بها وتقول ” خد صورتي يا عمو”؟ هل كانت تشعر  أني أحبها جدا وأني سأفتقدها جدا فقامت باعطائي صورتها التي ما زلت أحتفظ بها منذ سنتين في محفظتي ؟ .. هذا ما حدث يا إمي .. ما زالت أستمع لكماتك ووصاياكٍ التي كانت تخرج مبللة ببريق دمعة ليست كالتي اعتدت أن أراها في مناسبات الفرح والحزن .. *** جاء الصباح .. جلسنا ننتظر السيارة التي ستقلنا الى معبر رفح وكان الأمر ظاهره مختلف عن ليلة البارحة .. ما زلت أذكر رائحة الفراق التي كانت تغلف ذلك الصباح الذي رسم هدوأه كتلك الابتسامات التي رسمناها وندري أنها تخفي ورائها شهقة الفراق .. ما زلت أستمع لصوت السيارة عندما وصلت الي البيت .. كل شئ صار بسرعة البرق لا ادري كيف كانت تتحرك الحقائب بجنون وكأن الأرض صارت للحظات بلا جاذبية .. يا ألهي كل شيء يتطاير بسرعة البرق .. كل شيئ قد تحرك في أقل من طرفة عين حتى أنا وجدت نفسي فجأة في داخل السيارة التي سارت بنا بسرعة البرق .. دار حديث  طويل بين أبي والسائق لم أفقه منه شيء كل ما كنت أشعر به هو ذبذبات صوت أبي تارة ودعاء الاصدقاء وتمنياتهم لي بالخير عبر رسائل الموبايل تارة أخرة .. كنت أودع الدفئ الذي أعلم جيدا أني سأفتقده ..  كنت أسترق النظر اليكِ بحذر وانتي ترافقيني في السيارة.. كنت أثق أن صمتك كان الهدوء الذي يسبق الانهيار .. كنت كلما نظرت اليكِ تذكرت كم كنت سعيد بقربك ،كم كنت مذنب في حقك ، كم كنت عنيد في طاعتك كم كنت متمرد على نصائحك .. كان شريط الذكريات بتسابق معنا وهو يذكرني بمواقف جميلة وطريفة .. تذكرتك عندما كنتِ تطلبي مني بعض النقود لتشتري شيئا ما على عجالة وكنت أستغل عجالتك واقول لك ممازحا ” لن أعطيكي ألا بشرط أن تعيدي لي المبلغ ضعفين بنية هبة مش ربا” فتوافقي و بعد ان تاخدي مني النقود تقولي “ابقى قابلني لو رجعلك اشي”  فأجيبك والضحكات تأملا المكان “أماميه أخر زمن”.. كنتُ أدعو الله أن يكون فراقي خفيفا وألا يكون فراغي في البيت كبيرا.. أذكر أخر نظرات الفراق عندما حان الوقت بأدق التفاصيل ..   أذكر لون منديلك ولون بنطال أبي .. هل صاب ظني وانهار نهر الدموع الذي كان قد حيس طوال فترة صمتك في السيارة ؟.. في هذه اللحظة بالذات قتلتُ قلبي وحبست دمعة الفراق .. حتى أثبت لكِ أني بخير .. في هذه اللحظة وعلى اعتاب الفراق ذكرني الله بمهمتي التي استمت لأجلها مسكت دمعتي ووفقني الله بان أجرى على لساني كلمات قوة وأمل غيرت الموقف في ثواني .. وأنطلقت أحمل على كتفي حمل ثقيل ورسالة .. أعتذر عن الاخطاء الاملائية لم أراجع ما كتبت لانشغالي الشديد .. ---

التعليقات (10)

  1. أفنان

    مؤثر جدا :( الله ينور دربك وطريقك يارب

  2. ومازال يمضي ..!

    @ أفنان .. بارك الله فيكِ ولكِ بالمثل ان شاء الله أفنان بلغي سلامي للوالد كان بودي أن أراه قبل السفر .. سلامي للجميع

  3. أفنان

    الله يسلمك يصل ، بس ليش السفر انت سافرت ؟

  4. ومازال يمضي ..!

    زيارة لغزة .. بكرة .. بوصل بعدو.. ان شاء الله

  5. أفنان

    يارب بالسلامة ان شاء الله ، سلم على غزة وأهلها الطيبين الكرام

  6. عروض اتصالات وموبينيل وفودافون

    بصراحة الواحد نادر قوى لما يلاقى مدونة او موقع يستفيد مهم بشكل كبير اشكرك على اسلوبك وطريقتك فى الكتابة ، وكمان مدونتك ذوقها جميل جدا وتتمتع بالسهولة والبساطة فى التصفح وبها مجموعة من المواضيع الرائعة والمفيدة

  7. صفا

    كلمات معبرة ومن القلب بدون نكهات اضافية ..كل التوفيق الك والله يخليك الوالدة :)

  8. ومازال يمضي ..!

    @ صفا .. بارك الله فيكِ يا صفا .. سعدت بوجودك

  9. هبة كمال

    كلمات قوية من العمق الي العمق …بجد لما قراتها شعرت بشعور بشعور غريب .. كلماتك قريبة جدا من واقعي كانها تحاكي ما حصل و سيحصل .. ربنا يقوينا و يعينا يا رب .. رائعة كلماتك و مشاعرك ..

  10. ومازال يمضي ..!

    @ هبة كمال .. حياكِ ربي يا دكتورتنا .. آعانكِ الله على غربتك وربنا ييسر أموركم جميعا يارب.

أضف تعليقاً