عندمـ،ا تصـ،دق حوا/ء

كنتُ في ذلكَ المَساء المعطَر برائحةِ المطر ارتشفُ فنجَان النيس على نغماتِ بعض الزَّخات التي كانت تُودّعنَا بقبلاتٍ منَ القطراتِ الباردة .. كنتُ على أريكةِ الغُربةِ التي رأيتُها في عينيْها أفترشُ صمتِي وأخْتلسُ بعضَ النظراتِ التي كَانتْ تَزيدُني ارتباكا ودَهشة، .. في كلّ مرَّة كنتُ أنظرُ إليْها، كنتُ أكتشفُ عالما جديدا .. كنتُ أرى خريطةً لأرضٍ لمْ يكْتشفها كلومبس .. أقتحم بحراً حزينَ العمقِ .. أكتشفُ حديقة خضراء تَسكنها طيورُ العشقِ التي لمْ يُوجد مثلهَا في بدنقيةِ شكسبير .. رأيتُها طفلة حَالمة ،أشبهُ ما تَكون دُمية جَميلة صَمّمها أحدُ كبارِ وايد دزني بعدَما قضَى عمرَه كلّه في تَصميمهَا .. كنتُ أسمعُها وهي تُناغِي ذَلك الفِنْجان بِرشْفاتِها الهَادئة، كانَت قطراتُ النيس تُودّع شَفَتيْها بِقُبلاتٍ يتيمَة، تَنْهالُ عَليها بِفيضٍ مِن الأحضانِ كأُمّ تُودّع ابنَها للحربِ وهي تَدري أنّها ستفقدُ رُوحها بعدَ رحيلِه، وما قيمةُ الإنسانِ بِلا روح ! .. تِلكَ الرَّشَفات كانت تَجْهَشُ بِالبُكَاء كُلّما لامستُ أطْراف شَفَتيْها لتَنْغمس فِي غَلَس اللّيل البَهيم .. تَنام هُناك بَين أحضَانِ أمّ فقدتْ رَضِيعها وَلقِيتُه بعدَ عنَت .. أهذِه أوْل مرةٍ تمنيتُ فيها لو أني فنجانَاً بين يديْها ؟ أو رشفةَ نيس تَحيى بين دَفتي رواية حبٍ مجوسية ؟ ..ألهَذا الحدّ كانتْ مُربكة تِلك اللّوحة الّتي فِي عينيْها، هل البَحر وحدَه كان الأجمل فيها ؟ ومَاذا كانتْ تَعنِي قَطرات المطر البَيْلسانِي التِي كانتْ تَنغمسُ في قَلبِ ذلكَ البَحر ؟ هل حقاً يجْتمع البَدرُ والشمسُ والمطرُ في لوحةٍ واحدة تهتفُ وحدَها للحبِ كشعبٍ شُرّد من وطَنه راحَ يهتفُ بالعودة ؟! هل كنتُ أنا في كامل وعييْ يومها عندما قالتْ لِي (لو عزمتك ع نيس سادة ، تقبل ؟) عنْدها أجبتُها (أقد أكون أحمق وأرفض).. كيْفَ لي أن أرفض وأنا الصحراء العطشَى للنبيذ .. كيفَ لي أن أرفض وأنَا الأرضُ الجرداءُ التي دكّتها أعتَي الزلازل حتَى أن رختر بات يكرهُهَا .. كيفَ لي أن أرفض وأنا البحرُ الذي غارتْ مياهُه وعقُم مُرجانُه .. وحدها وحوشُ البحر التي لم تنقرضْ كانتْ تَلتهم كلّ ما يعجبُها ! ، كيفَ سارعتُ وقبلتُ دعوتَها التي كانتْ بمثابة فرمان عتق من النيران .. كيفَ صدَّقتها وأتيتُ معها وشربتُ النيس على نغماتِ صمتِها الثّمل بالغموض ؟.. كيفَ لم أكن بذلك الوَعي وبِتلكَ الفِطنة ، عِندما قابلتُها صدفةً تحتَ قَنابل المطرِ التي بتّ الآنَ لا أَدري هل كانتْ تستقبلُنا بِقبلاتٍ من القطراتِ الحالمةِ أم أنها كانتْ تَرمينا بدموعٍ من الحمم البائسة .. هل كانتْ تَعلم تلك القطرات أنها كانتْ صادقةً عندما قالتْ حِينها (س أنسحب يوما ) وأنَا الذي مُستلقي على قفاي في مستنقعٍ من الغفلةِ .. كنتُ أردّد دائماً قلّما تصدقُ حوّاء .. هل باتَتْ حواءُ صادقَة ؟ .. هل آمنتْ حواءُ يوما ؟ .. هل أسلمتْ وكَفّرت عنْ خطيئةِ إغواء آدم ؟ .. هَل تابتْ حَواءُ حقاً؟.. أم أن لكلّ قاعدةٍ شواذ ؟! .. وحدَها كانتْ صادقة أحلام مست غانمي في فوضَى الحَواس "لا يحدث للإنسان ما يستحقه.. بل ما يشبهه".. وحده كانَ وحشْ الحزنِ يرتقبُ صدقها ليَنْقضّ عَلى فَريسَتِه الهزيلَة بأنيابِ اليأس التي تَحشُو بين ثَنَاياهَا كلاليب الوَهم الّذي يَقتاتُ مِنْ فتات الحبّ الباذخ الدهاء ! "وجب التنويه: هذه التدوينة هي تجربة أدبية من وحي فوضى الحواس "

أضف تعليقاً