في قلب حضن أمي

صورة من التدوينة: Capture.JPG

قطعة غيم من أدب الطفولة ! أغمضتُ عيني اليمنى وكنتُ أحدقُ بالأُخرى كالصقر .. كنتُ أراقبُ ذاكَ الضوء المرعب الذي يخرج من النافذة المجاورة لسرير أختي فيضيء جميع الأنحاء، والذي سرعان ما يمزق ثوب الظلّمة الذي يكسو الجدران ليرتسم أمامي شتى أنواع الأشباح .. كنت أراقب تلك الأشباح من تحت غطائي الرقيق بعيني المحدقة والتي سرعان ما أغمضها بعنف حتى لا يعلم أحدهم بأني أراقبُ تحركاتهم .. كلما أغمضتُها سرعان ما أعيد النظر والتحديق ثانيه ظنّا مني بأن أحدَهم قد لاحظني ! .. وكأني كنت أعرف أسمائهم .. هذا (أبو رجل مسلوخة) كان يتصدر الموقف فطالما تحدثنا عنه أنا وأولاد حارتنا في جلسات أنسنا .. وذاك صاحب الابتسامة القاتلة يلوح بيديه المرعبة .. والذي كان يزيد الموقف رعبا، هو ذاك الصوت المجلجل الذي كان يتبع ذلك الضوء بخطوة أو خطوتين .. كان يهز أركان الغرفة بعنف شديد ويبدد صمت الظلام المرعب بصاطورته الموحشة .. كان قلبي يرقص رقصة الموت، على إيقاع أصوات الرعد الموغلة بالحتف والحبلى بشتى أنواع المفاجآت الليلية .. فجأة ! هدأ الصوت قليلاً ، وبدأ هطول المطر ، وتغلغلت رائحة التراب المبلل في أوردتي تحمل معها قطعة حلوة فاتنة.. ذاتها التي أهدتني إياها أختي بعدما تمكنتُ من حفظ جدول الضرب مساء ذلك اليوم .. يااه أظننني سأغمض عينايا قليلا … *** - ها ها .. لا ..الضوء .. الضوء ! جاء الضوء ثانية وأعاد روح الحياة لتلك الأشباح من جديد على ذات الجدران القبيحة .. صرت لا أدري هل احضن قلبي الذي كان يخفق بجنون أم ألملم أفيائي المتناثرة بين أنياب الخوف الذي كان يفتح فكيه استعدادا لابتلاعي في أي لحظة أم أكتم أنفاسي استعداد لاستقبال الصوت المرتقب ! انتظرت متخشبا ولا أدري هل أنا الذي أخترت إحداثيات تصنمي أم هي التي اختارت حدود سجني على تلك الفرشة التي بت لا أِشعر بدفئها ولا أنعم بطراوتها. تأخر الصوت المجلجل .. يبدو أنني سأطيل الانتظار هذه المرة .. وحده الخوف كان لحافي .. و وحدها تجارب الرعب التي مر بها أولاد الجيران في مثل هذه الليالي هي الحاضرة في وسط هذا الزحام المزعج من الصمت والظلام ! حضنت ثوب أمي وكنت أحاول إخفاء رجفتي العنيفة .. حيث كانت طفولتي تشفع لي بأن أنام جانبها في مثل هذه الليالي واعتقد أن هذا هو السبب في بقائي على قيد الحياة هاتيك الليلة !. شعرت بالإنس والدفء وفيض من الحنان المنبعث من طرف ثوبها .. وتمنيت لو تستيقظ برهة .. لأسرق منها شجاعتي وأنعمس في حضنها كما تنغمس قطرات المطر في قلب البحر فتصح هي منه ويصبح هو منها ! وعندها سأشهر سيفي وسأعرض رجولتي الطفولية في وجه هذه المعمعة .. الصوت لما يصدر بعد ، لقد تأخر كثيرا هذه المرة ، يبدو انه ذهب لخيف (حسن) ابن الجيران الذي طالما حدثني عن تجاربه المريرة في مثل هذه المواقف ! -ترى ما حال حسن الآن .. هل وصله الصوت ؟ وهل رحلت إليه الأشباح التي رايتها ؟ كلها ؟ أم بعضها رحل وبقي بعضها هنا ؟ ارتحت قليلا وهدأ فيضان روعي .. ولعلي استطلعت أن أغمض عيناي .. وانطلقت مني تنهيدة ممزوجة بشيء من الحذر… *** وفجأة بعدما كدت ارتدي ثوب الغفوة الحذرة واخلع رداء القلق .. حدث ما حدث وكان ما كان .. زأرت السماء بصوت مهيب وانتفض المكان وتطايرت الأشياء وتداخلت أعضاء جسمي الطري .. مسكت بافياء نفسي المتناثرة واطلقت عنان صوتي ليعانق السماء “قلبيي قلبيي” .. فما وجدت نفسي إلا في حضنها تقبلني وتهمس في أذني لا تخف يا حبيب قلبي وحضنتي ثم حضنتي ثم حضنتي ،، وبت ليلتي في قلب حضن أمي ،، ---

التعليقات (16)

  1. ابو المجد

    يا لها من كلمات فجرت بداخلي الحنين الي حضن امي بل الي حضن وطني والله مع وقع هذة العبارات اني اشم رائحة حضن امي بل اشم رائحة زهور البرتقال والليمون واللوز الأخضر كفي كفـــــي كفـــــــــــــــي

  2. ومازال يمضي ..!

    يااااااه ،، أبو المجد ،، بهطولك عانقت أنفاس الوطن حتى البلل ،، قبلت زهرات اللوز والزيتون والرمان حد الثمل ،، انت تتنفس حبا سرمديا لا يعلم سره إلا أنت ،، جعلني أذوب كقطعة غيم حيراء ،، كموجة بحر ضلت طريقها فوجدت نفسها تذوب في نهر حب وطهر ،، مشتاقلك يا خال (قبلة)

  3. إيمان الطيب

    كلمات رائعه معبره وتشعرنا بحنين الي الوطن كحضن الام لابنها يارب يحفظ امهاتنا اليى الابد ولايحرمنا من رائحتهم واحضانهم وسلمت يمناك مازال يمضي تحياتي

  4. ومازال يمضي ..!

    أيمان ،، أثرتي جنون ذاكرتي .. الوطن بدونكم لوحة تحاج الى تلوين ، فستان فرح حيتاج الى تصميم وحياكة ، دالية عنب أنتم قطوفها ، قصة حب أنتم أبطالها .. أتدري ،، أحن لساندويشة الفلافل وعصير العنب (أبو شيكل) وقصص وحكايات مابين السماء والقمر دمتي طيوبة

  5. ليالي العمر

    كلمات ليس كالكلمات تهمس بأذني أعذب الألحان مازال يمضي بنا الحنين الى الأمام يفيض القلب بالوحشة ليروي زهرة العشق بين الجنان مازال يمضي لك وحدك ترفع القبعات وتنحني الهمات وتصفق الأيادي بحرارة الهتافات كل الشكر لك ولقلمك المبدع الذي لون الحياة بريشة فنان أجاد فن الألوان ودي وحبي لك

  6. ومازال يمضي ..!

    ليالي العمر ،، وجودك هنا يحيني ،، كلاماتك التي يهتف بها قلبك، لا حدود لوصفها ،، من بين أناملك يستقي الحب حبا ،، ويفيض الطهر طهرا ،، روحك روضة باذخة الجمال يا أنتي ،، وحدك من تملكين سر الفن ، ولحن الطهر ،، (وردة)

  7. طارق المصري

    الكلمات دي خليتني اعيط وفجرت فيا الحنينب

  8. ومازال يمضي ..!

    طارق ،، ما هنت ،، وما هان قلبك ،، كلامتي هاتي أغلفها بمداد من حب وأقدمها ،، هي لك ،، سعيد أنا بوجودك ،، أهلا بك في مديني المزدانة بطلتك،، (وردة)

  9. عبد العزيز

    اهنئك من صميم قلبى يابن عمى وافتخر بك وبقلمك الذى يستطيع ان يكتب ما فى القلب من حنين ومن شوق

  10. ومازال يمضي ..!

    عبد العزيز أنا اليوم من يقف أمام الكون ،، ويثر في سما الدنيا فرحا كما لم تجد به الأحلام ،، أنا اليوم من يهنئني بقدوم عزيز في قلب القلب منزلته ،، كم سعيد أنا كونك هنا ،، كل ورد مدينتي البيضاء أينعت لأجلك أنت أحبك أنا ( دو دو دو غمزة )

  11. Maha

    أحن إلى خبز أمي .. وقهوة أمي ..ولمسة أمي .. في الطفولة ..كان الحلم ..العودة ..والعيش في أحضان الوطن في الشباب ..أصبح الحلم ومازال .. العودة ولكن .. إلى أحضان أمي .. كلمات جميلة ..قلبت مواجع .. أتمنى أن تكون نهايتها قريبة بوركَ قلمُك أخي .. مازال يمضي

  12. ومازال يمضي ..!

    @ Maha .. ستكونين هناك .. فما العيش الا بقربها .. وما الوطن الا في حضنها .. لله درها ،، بلمسة منها يهون الكرب والألم.. بدعوة تتمتم بها تفتح أبواب الخير كلها ما علمنا منها وما لم نعلم .. رجاء ظلّ على أمل .. .. شكرا بحجم الكون ..

  13. أمل حسن

    برافواا كتير جميل عنجد ما بعرف شو اقول الله يحفظك يا غالي

  14. ومازال يمضي ..!

    @ د. أمل .. لعُمري ما أغلاكِ واللهِ كنتُ أخشى عليكِ أكثر من نفسي هاتيك الليلة .. .. دمتِ أغلى من روحي / / أمل .. أحتاج أطنانا من الدعاء الله لا يحرمني منك ..

  15. زهرة عرفات

    أنعشتني فطعة الغيم الطفولية ، رائعة ، ريانة بالأدب الاصيل ، جميلة ، مذهلة حد الموت ، ومرعبة :؛ شكرا لقلمك البراق زهرة

  16. ومازال يمضي ..!

    @ زهرة عرفات .. أشكرك جدا ظلتِ بود ،

أضف تعليقاً