عَامُ زَ اْ هِ ر

كُنتُ قَد أرسلتُ بطاقةَ تهنئة لصديقَ طِفُولتِي زاهِر هنأتُه بالعامِ الجديدِ .. وكعادتِي في بدايةِ كِلِّ عامٍ أسألُ أصدقائِي أن كيفَ كانَ عامُكم .. رَدَّ صَديقِي مِن بِلادِ مَا وَرَاء الكَرَز مرحباً ،، صَديقِي أرجوك لا تَشقَا بِردِّي فهُو .. ليسَ سِرٌّ .. ليسَ لُغزٌ .. ليسَ سِحْر مُركب قامتْ بشعوذتِه مردةُ الجَانّ ..إنَّمَا كلامٌ عتيقٌ يتيممٌ مهترئٌ كقلبِ عَشِقَ (بِصدقٍ) ثُم خانتهُ كُلّ نوامِيس هذا الكونِ وهِي ترفعُ لافتةً بيضاءَ كُتب عَليْها أَلـَا حَلّت اللّعنةُ علَى العَاشقِين.. كَم كانَ مُدلس ذَلك المعلمُ الذِي لَقَّننَا ذاتَ مَرَّة ( نُعِيبُ الزَّمانَ وَالعيبُ فِينَا ) أتذْكُر كَم كَانت تَرتجِفُ شَفَتَاهُ وهُو يَتلفُّظُ بِها كَالطِّفلِ المذنبُ المُكتَحِلة نَظراتُه بِالخيْبة وهُو يُبرِّرُ سُوءَ فعلتِه؟ .. كَان ضَبابُ الحُزنِ المُخيّم على عَينيهِ دَليلاُ وَاضِحاُ عَلى كَذِب مقُولتِه .. كَان يهذِي بِها وقَسَماتُ وجهِه الَّتِي أنهَكَتْهَا نَوائِبُ هذَا الزَّمانُ تصرخُ أن لا عَيبَ فِينَا .. كَانت تُقْسِمُ بأغلظِ الأيمانِ أن لا ذَنْبَ لَنَا.. هَل كانَ بِكاملِ وَعيِهِ يَومها عِندما قالَ (إنِّ الحياةَ بُقعةُ حبرٍ نَديَّةٍ ) ؟ هَل كانَ يَقصُدُ أنَّها (عَقبةُ حَرْبٍ دَنِيَّة) فَتلعثمَ لسانُه من البؤسِ وَهوَى ؟ .. أتذكرُ عِندمَا سألتُه يَوماٌ (سَيَّدِي مَا الحُلُم ؟ ) .. صَمتَ طويلاً بَعدمَا أطلقَ من عينيِه نَظراتِ الحُزنِ المُدَجَّجِ بالألمِ ..تُرَى هل كان صمتُه بَراعةُ استخْفَافٍ بسؤالِي ؟ أم أنَّه كانَ براعةُ استِهْلالٍ لجوابِه المُعَقَّد ؟ وَحْده صُراخُه المُغَلَّف بالصمتِ كانَ صادقاً حينهاً .. وَوحدَهَا عَبَراتُه الَّتِي لوْلا كِبرِياءِ رُجُولتِه لانهَالتْ كَسحابةٍ سوْداء حَبُلتْ بِشتَّى أنواعِ المطَر ثُمَّ جَادَتْ فتلاشَتْ واختفَتْ .. كَانتْ تَعْلم جيداً مَعنَى جوابِه عِندَمَا قَالَ ( قُلِّي مَا الوَهْم أُخْبرُكَ مَا الحُلُم ) .. أتذكُر عِندما همسْتُ فِي أُذُنك وَقتَهَا وقُلتُ عَنهُ ( أستاذ مجنون ) وَعنِدَهَا كَمْ ضَحِكْنَا عَليه ؟.. أتذكُر كيفَ كانتْ تَهَتَزُّ أجسَادُنَا الطريةُ من الفرحِ كطِفلٍ ناعسٍ نَاغَى حَنانَ أُمِّهِ فَغَمستهُ في حُضْنِهَا حَتَّى نَامَ وَهُو يَرسُم ابتسامةَ أن سلامٌ علَى الدُّنيَا؟.. لمْ أكُنْ أعلَم أنَّ ثَمَّةَ أَحدٌ يَضْحكُ عَلَى خَيبتِه غَيرِي .. لِمَ لَمْ أكُن بذِلك الوَعِي الذِي كَان عَليه ذَلِك الرَّجُل؟ .. أَلَمْ يَقُولُوا خُذ الحِكمةَ من أَفواهِ المَجَانِين ؟ أيُّ حِكمةٍ كانَت تِلكَ الَّتِي خَرَجَتْ مِن بينِ ثَنَايَا جُملةٍ شَرطيَّة لا تَتَعَدَّى الأَربَعِ كَلِمات ( قُلِّي مَا الوَهْم أُخْبرُكَ مَا الحُلُم )..؟ أُستاذِي هَا أنَا اليوم أصرُخ ُبِصوتِكَ المصلُوب حُزناً .. هَا أنَا اليَوْمُ أحتفِظُ بِضبابِ حُزنِي وألَمِ خيبتِي وأنِين قلبِي.. عُذرَاً سَيَّدِي لَم أكُن أعلمُ أنّ الوَهْمَ وَالحُلُمُ وجهين قَبِيحينِ لِذَاتِ الشَّبَح الذَّي حَدَّثَتْنِي عَنْهُ جَدَّتِي يَومَا ً.. مسكينةُ هِيَ .. كَم كَانَت بَرِيئةٌ كَلِمَاتُهَا وَهِيَ تُحَدّثُنِي عَن الأحلام .. قالَت لِي يَوماً (ازرع فِي نَفسِكَ حُلُماٌ يا زَاهِر .. وسَيُزهِرُ حَتمَاً يَومَاٌ مَا ) .. تُرى هَل زَرَعَتْ جَدّتِي؟ وَهَل أزهَرَ حُلمها ؟ .. لماذَا لَم أسألُهَا وَقتَهَا هَل تُزهِر الأحلامُ حقاً ؟ وهَل أَزهَرَ حُلمها ؟ كَيفَ استطاعتْ أن تَسحَرَ عقلَ طِفل ساذِج وَهِي ترسُم فِي مُخيلتِه ذلِك الطَّيرُ المُهَاجِرُ الّذِي يَحمِلُ عَلَى جَناحيهِ أحلامَ الأطفَال .. هَل حَقاً أن هُناكَ طيراً مُهاجِرَاً؟ .. وهل يأتِي قُبيْلَ الفَجرِ ليُغَرِّدُ أنشُودَةَ العُشَّاق ؟ .. جَدّتِي .. نَامِي بسلامٍ .. طَيرُكِ المُهاجِرُ قَد ذُبِحَ .. قد فُقِدَ .. قَد مَاتَ .. لَم يَرحَمهُ زَمَانٌ ولم يرأف بِه مَكان .. عَاشَ مُهاجرا وَظَلَّ مُهَاجرا وَعَلَى جدار الأملِ المُغلّف بالوَهْمِ مَاتَ مهاجر .. طَيرُكِ المُهاجِرُ كَانَ يَحمِلُ بينَ جَناحَيه أطْانَاً مِن الوَهم .. لَم تَكُن أحلاماً جَدّتِي .. لَم تَكُن أحلام .. كُنتُ أستيقظُ كُلَّ فَجر وعَلَى أريكةِ الصَّمتِ كُنتُ أناجِي حُلمِي ..بعفةٍ وَصدقٍ زرعتُه فِي نَفسِي .. كَانَ طِفلاً نَاعِسَاً فِي دَاخِلِي .. أدمنتُهُ حَدَّ الجُنون .. كُنتُ رَجُله الفَتِيّ الذِي أقسَم أن يفدِيه بأغَلَى ما يَملِكُ .. كنتُ امرأتُه الحسناءَ التِي ذابَ قلبُها ليستحِيلَ سَعادَةً يَنْعُمُ بِها .. عَلّقتُ عَلَى شَمعَدَانِه أُمنِياتِي الجَرِيحَات .. لَم أكُن اعلمُ أنّ الأحلامَ تختفِي كَما يَختفِي الرّجُل الصّحيحُ و يَموتُ بِلا عِلِّة.. هَل هذَاَ مَا كَانَ يَقصدُه ذَلِك الأستَاذ في جَوابِه .. ؟ هَل أخبرتنِي جَدَّتِي يَومَا أنَّ الأحَلام قد تَتَلاشَى عُنوَة وَعَلَى حِينِ غِرَّة لُتُحِيلَ صَاحِبهَا يتيمَاً كَذَلكَ العَاشِقُ الذِي هُجِّرَ مِن أَرضِهِ بِحَدِّ (السَّيْفِ) فَصَارَ يَئِنُّ الوَطَن .. صَديقِي عُذراً فقد أزهَر عامِي وَهْمَا .. المُخلِصُ لِطُفولتِنا زَ اْ هِ رْ ---






